أبي حيان الأندلسي

379

البحر المحيط في التفسير

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ قال ابن عباس : لما فرض اللّه الجهاد على المسلمين ، شق عليهم ، وكرهوا ، فنزلت هذه الآية . وظاهر قوله : كتب ، أنه فرض على الأعيان ، كقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ « 1 » كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ « 2 » إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً « 3 » وبه قال عطاء ، قال : فرض القتال على أعيان أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فلما استقرّ الشرع ، وقيم به ، صار على الكفاية . وقال الجمهور : أول فرضه إنما كان على الكفاية دون تعيين ، ثم استمرّ الإجماع على أنه فرض كفاية إلى أن نزل بساحة الإسلام ، فيكون فرض عين . وحكى المهدوي ، وغيره عن الثوري أنه قال : الجهاد تطوّع ، ويحمل على سؤال سائل ، وقد قيم بالجهاد ، فأجيب بأنه في حقه تطوّع . وقرأ الجمهور : كتب ، مبنيا للمفعول على النمط الذي تقدّم قبل هذا من لفظ : كتب ، وقرأ قوم : كتب مبنيا للفاعل ، وبنصب القتال ، والفاعل ضمير في كتب يعود على اسم اللّه تعالى . ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه : لما ذكر ما مس من تقدمنا من اتباع الرسل من البلايا ، وأن دخول الجنة معروف بالصبر على ما يبتلى به المكلف ، ثم ذكر الإنفاق على من ذكر ، فهو جهاد النفس بالمال ، انتقل إلى أعلى منه وهو الجهاد الذي يستقيم به الدين ، وفيه الصبر على بذل المال والنفس . وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ أي مكروه ، فهو من باب النقض بمنى المنقوض ، أو ذو كره إذا أريد به المصدر ، فهو على حذف مضاف ، أو لمبالغة الناس في كراهة القتال ، جعل نفس الكراهة . والظاهر عود : هو ، على القتال ، ويحتمل أن يعود على المصدر المفهوم من : كتب ، أي : وكتبه وفرضه شاق عليكم ، والجملة حال ، أي : وهو مكروه لكم بالطبيعة ، أو مكروه قبل ورود الأمر . وقرأ السلمي : كره بفتح الكاف ، وقد تقدّم ذكر مدلول الكره في الكلام على المفردات .

--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 183 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 178 . ( 3 ) سورة النساء : 4 / 103 .